الجمعة، 26 أبريل، 2013

خميس والبقرى






             في يوم 12 أغسطس عام 1952  بعد عشرين يوما من قيام حركة الجيش ، حين أوقف عمال مصنع نسيج بكفر الدوار الآلات وأعلنوا الإضراب عن العمل وقاموا بوقفة احتجاجية لإعلان مطالبهم لحركة الجيش منددين بنقل العديد من العمال لفرع « كوم حمادة» وتدني الأجور والحوافز وتدهور سكن العمال، فقامت قوات أمن كفر الدوار بمحاصرة المصنع تحت توجيهات نفس القيادة التي كانت موجودة قبل حركة الجيش وأطلقت النيران علي العمال فسقط عامل قتيلا، فرد العمال في نفس اليوم بعمل مسيرة لباب المصنع عندمات سمعوا أن «محمد نجيب»، رئيس الجمهورية، سيمر، وهتف العمال «يحيا القائد العام ... تحيا حركة الجيش» وعندما تأخر نجيب  خرج العمال لانتظاره عند «مدخل المدينة» وفي طريقهم مرت مسيرة العمال على أحد نقاط الجيش وألقى العمال التحية على «العساكر» هاتفين نفس الهتاف «تحيا حركة الجيش» إلى أن وصلت مسيرة العمال لأحد الكباري وعلى الجانب الآخر منه وقف الجنود المصريين شاهرين بنادقهم في وجه العمال، ومن جانب ثالث لا يعلمه أحد حتى الآن انطلقت رصاصة في اتجاه الجيش فراح ضحيتها أحد العساكر، وكانت معركة بين الجنود المسلحين والعمال العزل حتى من الحجارة ،

      تم القبض على مئات العمال وتشكلت هيئةعسكرية  للمحاكمة من بكباشى عبدالمنعم أمين، ويوزباشى جمال القاضي، وصاغ محمد بدوى الخولي، وصاغ أحمد وحيدالدين حلمي، وصاغ خليل حسن خليل، وبكباشى محمد عبدالعظيم شحاتة، وقائد أسراب حسن ابرهيم السيد، ويوزباشى فتح الله رفعت، وممثل الإتهام صاغ عبده عبدالمنعم مراد  وأمام آلاف العمال وفي فناء المصنع، نصبت المحاكمة العسكرية واتهم مئات العمال بالقيام بأعمال التخريب والشغب وكان من ضمن المتهمين طفل عمره 11 عاما

       كان محاكمة هزلية ظل المتهمون يصرخون "يا عالم ياهوه .. مش معقول كده..  .. داحنا هتفنا بحياة القائد العام .. داحنا فرحنا بالحركة المباركة .. مش معقول كده".
ولاستكمال الشكل نظر القاضي إلي الحضور وقال.. هل فيكم من محام؟
وكان موسي صبري الصحفي  حاضرا مندوبا صحفيا عن دار اخبار اليوم ولانه حاصل على ليسانس الحقوق فاعتبروه محامياً وتقدم للدفاع عن المتهمين بكلمات شكلية  ..وكتب سيد قطب مقالا بعنوان " حركات لا تخيفنا " مطالبا باعدام خميس والبقرى .
    وهكذا مضت المحاكمة دون أدلة ولا دفاع لتنتهي في أربعة أيام ، وفي النادي الرياضي بالمدينة تم إجبار الاف العمال علي الجلوس في دائرة كبيرة تحت حراسة مشددة من جنود الجيش شاكي السلاح.. لتذاع فيهم الأحكام المرعبة من خلال مكبرات الصوت وسط ذهول الجميع وتم النطق بحكم الاعدام على العامل «محمد مصطفى خميس» والعامل « محمد عبد الرحمن البقري»
    معظم من كتبوا عن هذا الموضوع قالوا ان خميس كان عمرو ١٩ سنه والبقرى ١٧ سنه ولكنى اذكر ان البقرى كان متزوجا وله خمسة اطفال وعمرة ٣٥ سنه وكان خميس يعمل بإدارة مخازن الأقمشة بشركة كفر الدوار للغزل والنسيج  والبقرى خفيرا بها .وكان يعول خمسة أبناء وأم معدمة كانت تبيع الفجل لتشارك ولدها في إعالة أبنائه بملاليمها التي تكسبها .
هذا فضلاً عن عشرات الأحكام بالأشغال الشاقة المؤبدة والمؤقتة.


خميس قبل تنفيذ الحكم ويجرى عليه الكشف الطبى

     وهكذا أعدم الرجلان يوم 7/9 وسجلت الصحف وقتها لحظاتهم الأخيرة.  وتقول صافى ناز كاظم لاحقا فى مقالة منشورة بالاهرام فى 2012 :

     "صباح الأحد 7 سبتمبر 1952 الموافق 17 ذو الحجة 1371 خفق العلم الأسود خفقات الموت فوق سجن الحضرة بالأسكندرية معلنا إجراءات الإعدام، (وهذا يعنى أن الشهيدين أمضيا منذ، 17 أغسطس 1952 الموافق 26 ذو القعدة 1371، وقفة عيد الأضحى وأيام العيد كلها فى سجن الحضرة بالإسكندرية يصرخان ويستغيثان من الظلم ولا من مجيب!). مرّ مأمور السجن فى الساعة الرابعة فجرا بالغرفتين رقم 62 و 63 من غرف الإعدام وسأل البقري: «نمت كويّس؟» فقال البقري: «المظلوم لا ينام، عاوز أخويا ياخد مراتى وأولادى وأمى و3 جنيه من أماناتى ويروحوا للقائد العام محمد نجيب ويقولوا له»، ويسأل المأمور خميس: «عاوز حاجة؟» فيرد خميس: "عاوز أقول إنى مش غلطان.المحامى ما جابش الشاهد محمد عبدالسلام خليل. أنا عاوز شهود نفى وإعادة القضية من جديد. أنا ح أموت مظلوم ورب العباد أنا مظلوم"، تقول له أمه: «شد حيلك يامحمد»، يقول لها خميس: «يا أمى أنا مش ممكن أعمل حاجة وحشة.فاكرة المحفظة اللى لقيتها وبها عشرة جنيه مش قعدت أدوّر لما لقيت صاحبها؟»، لحظة إدراك البقرى أنه يساق لتنفيذ الإعدام يبكى بشدّة: «ولادى لسّه صغيّرين.عاوز أقابل القائد العام محمد نجيب.الله هوّ الحكم بيتنفذ كده على طول؟. يارب على الظالم»، ثم طلب كوبا من الماء وقال: « يارب أنا رايح أقابلك دلوقت وأشتكى لك. يارب. ده أنا عسكرى وكنت رايح أخدم العهد الجديد. يا ناس محدّش يعمل فيّ معروف يخلينى أقابل القائد العام محمد نجيب؟». وظل خميس يسأل الواعظ: «فقهنى فى دينى.هل من مات مظلوما مات شهيدا؟»، وكانت هذه آخر تساؤلاته قبل صعوده شهيدا مظلوما إلى دار الحق. ""