السبت، 30 أبريل 2011

صلاح حسين شهيد الفلاحين

  

فوق كل مائدة يوجد شئ من جهد فلاح جائع

  فى مثل هذا اليوم 30 ابريل 1966 اغتيل المناضل من اجل الفلاحين الشهيد صلاح حسين على ايدى رجال عائلة الفقى الاقطاعية .
    
        مساحة الأرض الزراعية فى مصر قبل العام 1952 أقل قليلا من ستة ملايين فدان... تتوزع ملكيتها بين ثلاث كتل.. الأولى أقل من نصف فى المائة، وتملك وحدها 35% من كل الأرض بمعدل 200 فدان فأكثر ويبلغ عددهم 11800 مالك، ونحو 145 ألف مالك يملكون 60% من الأرض بمتوسط 12 فدانًا، وأكثر من مليونين يملكون باقي الأرض بمتوسط 21 قيراطا لكل مالك .

         الملكية الفردية للأرض لم تكن معروفة في مصر منذ عهود الفراعنة والبطالسة والرومان ، حيث كانت الأرض مملوكة بصفة عامة للحكام، وكانت  الزراعة  تجري بصورة جماعية على مستوى القرية . وبعد الفتح العربي لمصر اعتبرت كل الأراضي خراجية  تخضع لتصرف الحاكم وحدة ويسدد عنها الخراج "الضريبة " واستمرت على هذا  الحال الى  الحكم العثماني..
       وفى عهد محمد علي  أمر بمسح الأرض الزراعية وقيدها في سجلات وتم توزيعها على الفلاحين لزراعتها دون أن تكون لهم عليها حقوق ملكية كالتصرف أو التوريث . عدا استثناءات كانت تمنح بمقتضاها قطع من الأرض لبعض أفراد أسرة محمد علي أو للأجانب معفاة من الضرائب ، ومن هنا  بدأ ظهور الملامح الأولى لملكية الارض الزراعية فى مصر . وبصدور لائحة الأطيان عام 1846 التي اتاحت  للفلاح حق التنازل عن الأرض التي يزرعها للغير وكذا رهنها.... ثم جاء عهد سعيد الذي أصدر لائحة للأراضي عام 1858 أقرت للفلاح بحق الاحتفاظ بالأرض التي يحوزها ، ويحق له  التصرف فيها وما عليها من ملحقات بالتأجير أو الرهن وتوريثها  ايضا لأبنائه من بعده ...كما صدر في عهد اسماعيل  قانون المقابلة الذي أباح الاعتراف بملكية الفلاح الخالصة للأرض الخراجية إذ سدد متجمد الضريبة العقارية عنها لمدة ست سنوات تقريبا..واستفاد من هذا القانون اللي معاهم فلوس طبعا ....ادفع المال لمدة 6 سنوات تبقى الارض ملكك.  وبعد ان كانت ملكية الأرض الزراعية قصرا على الحكام من أسرة محمد علي وأعوانهم ومحاسبيهم. وكان الفلاح المصري رفيقا للأرض يتبع الحاكم أو صاحب الإقطاعية .بقدم ثمار عمله فيها إلى الأخيرين دون أن يكون له حق التصرف في المحصول وكان يخضع لمحاسبة ظالمة لا تبقى له إلا الفتات من ثمار جهده ، الأمر الذي كان له أسوأ الأثر على حوافز العمل فضلا عما أدى إليه من إعراض الفلاحين عن الزراعة وهجرة الأرض إلى المدن بل والهجرة  إلى بعض البلاد المجاورة كفلسطين وبلاد الشام .

           تشير الإحصائيات عن توزيع ملكية الأرض الزراعية في مصر في مستهل القرن العشرين إلى أن عدد من كانوا يملكون أقل من عشرة أفدنة كان يتجاوز 96% من تعداد ملاك الأرض كانوا يستحوذون فقط على أقل من 32% من إجمالي الأرض الزراعية في حين كانت الفئة التي يملك أفرادها أكثر من 50 فدانا في حدود 1.3% من عدد الملاك ويستحوذون على ما يقرب من 44% من إجمالي الأرض الزراعية ، وبذلك تبدو في توزيع الملكية الزراعية في الفترة السابقة على قيام ثورة 1952 سمتان بارزتان هما
أولا تركز الجانب الاكبر من ملكية الأرض الزراعية في أيدي قلة ضئيلة جدا  من الملاك.
ثانيا تجزؤ باقي المساحة على عدد كبير جدا من الملاك إلى حد انخفاض متوسط نصيب المالك الواحد عن الحجم الاقتصادي المناسب للإنتاج الزراعي.
وكان من أثر هذا التوزيع المختل لملكية الأرض الزراعية  تسلط طبقة كبار الملاك على مقدرات السياسة واستغلالها الجائز لفئة  الفلاحين بالاضافة الى سوء استغلال الموارد الاقتصادية في قطاع الزراعة ..... كما أن علاقات الإنتاج في ظل هذه الأوضاع كانت على حساب الفئة المنتجة في الزراعة،  سواء من صغار الملاك أو المستأجرين او الأجراء الذين ساءت أحوالهم المعيشية وهبطت حوافزهم على العمل.. كان الاجير يحصل على قرشين ونصف اجرة يومية ولا يعمل اكثر من 100 يوم فى السنة   وبلغ تعداد الملاك الذين تقل حيازة كل منهم عن فدان واحد عام 1952 ما يزيد عن المليونين.وتعداد مصر فى ذلك الوقت 18 مليون .

      كانت من اهداف ثورة 52 التي احتضنها الشعب وخاصة الفلاحين الفقراء هو القضاء على الاقطاع ...وصدر قانون الاصلاح الزراعى بعد 47 يوما فقط من قيام الثورة :

* تحديد الملكية الزراعية.ب200 فدان وتوزيع الزائد على فقراء الفلاحين
* تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر.بسبعة امثال الضريبه وعدم طرد المستأجر طالما يدفع الايجار 

           صلاح حسين ابن قرية كمشيش بمحافظة المنوفية المولود فى نهاية العشرينات من القرن الماضي  تشكل وعيه بالبحث عن بوصلة تساعده في تحديد الطريق الواضح للعمل, وخاض فى ذلك تجارب عديدة ومتناقضة من جماعة الإخوان المسلمين إلى الفكر القومي المتطرف ممثلا بحزب مصر الفتاة إلى الإيمان الراسخ بفكر جمال عبد الناصر لينتهي به المسار للوقوف على مشارف الماركسية,.

         بعد أن عاد صلاح حسين  من فلسطين ومشاركته فى صفوف الفدائيين العرب بحركة البطل  أحمد عبد العزيز.."المسمى شارع رئبسى فى المهندسين باسمه " إتجهت أنظاره الى قريته "كمشيش" حيث يوجد نموذج من أبشع أنواع الإقطاع فى ذلك العصر ممثلا فى عائلة الفقى وعلى رأسها عميدها عمدة القرية  " صلاح الفقى" الذى تمتلك الأرض ومن عليها من فلاحين بسطاء، للعائلة  خفرائهم ومرتزقتهم وسجونهم  وتأخذ العائلة  القانون بيدها، وتقيم أبشع أنظمة السخرة ،  فكان الفلاحين يرغمون على العمل فى أرض الإقطاعي بدون أجر ويجبرون على تقديم بناتهم للعمل فى قصورهم.

        بدأ الشهيد مسيرته بين طلاب قريته  الذين عاصروا قهر عائلة الفقى وجبروتها حيث كان للعمدة "صلاح الفقى" سطوة شديدة، يمنعهم من ارتداء الأحذية والطواقي وعدم المرور من أمام قصره، ويحارب محاولتهم للتعليم بإغلاقه المدرسة الوحيدة فى القرية، لذا كان توقهم شديدا للتخلص من هذا الجبروت والثورة عليه . التفوا  حول صلاح جسين  بصفته اكثرهم خبرة وثقافة ويملك صفات القيادة.  يقول صلاح حسين واصفا هذا المشهد". هبت روح الثورة عاتية على مجتمعنا القديم وخرج الطلبة في شوارع شبين الكوم يهتفون ضد فاروق "إلى أنقرة يا ابن المرة" وذلك عقب هزيمتنا في فلسطين، وكان لا بد أن نتأثر بهذا التيار ...وكان الطلبة في هذه الحالة هم القوة الثورية التي يمكن أن تبتدئ العمل الثوري بالقرية ...".
    .تم التحام طلبة القرية بالفلاحين  من خلال معارك حقيقية  ودامية  بينهم وبين الإقطاع، وحاولوا إيصال صوتهم من خلال تحريض الفلاحين ضد نظام السخرة، وانتهزوا مناسبة عزاء فى القرية ليرتفع صوت صلاح حسين فى سرادق العزاء ". أيها الفلاحون ارفضوا السخرة .... طالبوا بأراضيكم المغتصبة ... عيشوا أحرارا فوق أرضكم.."، وكانت المرة الأولى التي يجرؤ فيها صوت على هذه المواجهه، ويستجيب الفلاحون لهذا النداء وترفض اعداد كثيرة منهم الذهاب الى أرض الوسية، ليقوم العمدة الإقطاعي بالقبض على صلاح حسين ورفاقه وايداعهم سجنه وتعذيبهم، ولكنهم يستطيعون إيصال صوتهم الى المديرية ليحدث تدخل وتحقيق يقال على أثره العمدة ولكنه سرعان ما يعود مرة أخرى محتميا بنفوذه وسلطته، ولكن كانت النتيجة هي تحقيق انتصار جزئي للفلاحين فى انهاء السخرة أو القنانة.... وفى نفس الوقت اكتساب صلاح حسين ورفاقه ثقة الفلاحين الفقراء والذين أطلقوا عليهم إسم " الأحرار".وخاضوا معهم معارك اخرى كثيرة .  عائلة الفقى تحرق ارض فلاح يرفض السخرة يحرقون للفقى ارض مقابلها ،ووصل الامر فى بعض الاوقات الى الاحتكام للسلاح واصبح الاحرار فى القرية يبتعمل حسابها .

       وبقيام ثورة 1952 واصدار قانون الاصلاح الزراعي تفتحت شهية الفلاحين لخوض الصراع ضد مغتصبيهم فكانت المعركة الثانية فى عام 1953وهى ما عرفت بإسم "معركة الملال" وهى قناة صغيرة شقها الإقطاع داخل اراضى الفلاحين لتمرير مياه الرى الى أراضيه، فقرر الفلاحون القيام بردمها، وحدثت معركة كبيرة بينهم وبين أعوان الإقطاع إنتهت بإصابة 17 فلاحا وفلاحة، وقبلها استطاع الفلاحون هدم سد أقامته أسرة الفقى لحجز المياه عن الفلاحين لتبوير أراضيهم وتسهيل الإستيلاء عليها فيما عرفت بمعركة السد، وعندما فشل أعوان الإقطاع وخدمه فى التصدى لحركة الفلاحين استعانوا بمرتزقة من الأعراب الذين كانوا منتشرين فى الجوار ،هم والغجر. وكان هؤلاء الأعراب يتم إستإجارهم للقيام بعمليات القتل وغيرها من العمليات الإجرامية ....ودارت معارك بينهم وبين الفلاحين كانت تنتهى عادة بتدخل السلطات ضد الفلاحين والقيام بنشر الهجانة  وحظر التجول.فى القرية .

       وجاء تدخل حركة يوليو من خلال تشكيل لجنة وساطة بين القلاحين وغائلة الفقى برئاسة  " أنور السادات" والذى ظهر انحيازه واضحا لعائلة الفقى، وعلى كل حال فإن موقف نظام يوليو من الحركة الثورية لفلاحي كمشيش لم يكن وديا فى الغالب لو علمنا ان ممثل ثورة يوليو بجانب السادات كان كمال الشاذلي ...وحتى بعد حل الإتحاد القومي وتأسيس الثورة للإتحاد الإشتراكي كحزب وحيد لها فقد تضمنت قوائم العزل السياسي  عائلة الفقى والقيادات الفلاحية والأحرار فى آن واحد وعلى  رأسهم  صلاح حسين .مما ترك مرارة وإحباطا لهم.... وتأتى كلمات صلاح حسين لصديقه وسيم خالد معبرة عن ذلك فى رسالته التي يقول فيها ". أفبعد هذا وفي فجر الثورة الاشتراكية التي ناضلنا من أجلها نقف والإقطاعيين في حظيرة أعداء الشعب. محال أن يساوي العزل بين من خاضوا المعارك حماية لمؤخرة الثورة وبين من كان يروج الإشاعات عن عودة الملكية.."
.
      ورغم وقوف صلاح حسين ورفاقه الى جانب الثورة وصدور قانون الإصلاح الزراعي وعودة معظم الأراضي التي إستولى عليها الإقطاع الى فقراء الفلاحين وصدور قوانين التأميم ومعاداة الإستعمار والإمبريالية فإنها لم تستطع حماية الشهيد صلاح حسين من أن يتم إغتياله على يد الإقطاع وزبانيته عشية إجتماعه بامين الفلاحين فى الإتحاد الإشتراكي " عبد الحميد غازي" وتسليمه  تقريرا عن تحركات الإقطاع وتهريب الارضوالثورة المضادة فى الريف المصري.
         وبعد اربعة عشر عاما من الثورة اغتيل صلاح حسين المناضل الذى احتفى بالثورة وكان يرسل  لزعيمها عن طريق اخاة واخو عبد الناصر الطيارين فى سلاح الطيران المصري يشكو من تصرفات الاقطاع..وفى اخر رسالة بعثها لعبد الناصر "الاقطاع واعداء الثورة حيقتلونى ويقتلوك "

          ابلغت شاهندة مقلد فى بيتها فى الاسكندرية وعمرها فى ذلك الوقت 27 عاما ، وطفلتها الرضيعة بسمة لم تكمل اربعون يوما باستشهاد زوجها وحبيبها ورفيق نضالها .....سافرت الى كمشيش وحملت النعش مع الفلاحين الى المدفن فى  وتحولت الجنازة الى مظاهرة تفودها شاهندة بهتافها 

 ..صلاح شهيد والشهيد لايموت ....صلاح حى فى قلوب الفلاحين ..قولوا دمه فى المصانع ...قولوا دمه فى الغيطان .


واصبحت كمشيش كعبة المناضلين..فى 30 ابريل من كل عام يقام موتمر سياسى فى ذكرى استشهاده ،واصبحت كمشيش مثل ميدان التحرير هذه الايام ...ما من انسان يهتم بنضال الشعوب الا وتكون زيارتها ضمن برنامجه ..واذكر زياره  جيفارا العظيم لكمشيش.وكم احبه الفلاحين ..
    
      لم اقابل الشهيد صلاح حسين ولكنى شاهندة زوجته  وحبيبته ورفيقة نضاله  ، وناجى ووسيم الله يرحمه  وبسمة  الجميلة ابناءهما من اعز اصدقاءنا ....ونا تعود علىّ  وعلى زوجتي وابتنى عزة وابنى  وائل ......واعتقد ان من اهم  الامور التي  استفاد ابنائى منها فى حياتهم فقد نشاؤا وكبروا تحوطهم   هذه الصلة الجميلة.


هناك تعليقان (2):

هاله يقول...

ايوه كده ياخليل رجعت تاني تحكي حكاوي مميزه ،ممتعه ،حقيقيه و مؤثره كمان..أنا بس ليه سؤال في الموضوع ده ليه لما الاستشهاد حصل في عهد عبد الناصر كان قيه شبهه لوم علي السادات بذكر اسمه مع الشاذلي باصابع اتهام؟ ولما جه ذكر عبد الناصر ...ذكرت ان الشهيد الفقي راسله وقاله كتير علي اللي بيحصل ؟ كان فيه نبره تعاطف مع عبد الناصر مع انه هو برضه من وجهه نظري الملام الاول قبل اي حد تاني لان كل ده حصل علي سمعه وبصره. او علي الأقل كان عارف وسكت وكأننا بنلوم السادات حتي علي اخطاء عبد الناصر... ده سؤال بغض النظر عن حبي او عدمه.. لأي من الرئيسيين. في الاخر عايزه أقولك انك أمتعونا تاني بالمكاوي بعد غياب.....ماتغبش تاني علينا يا خليل.....تسلم الأيادي

هاله يقول...

متاسفه اقصد صلاح حسين مش الفقي.....غلطه مطبعيه..